أحمد بن علي القلقشندي

16

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ودحضت حجة الملحدين ، واستوسق أمر الإسلام واستتبّ ، وتبّت يدا مناوئه وتبّ - اختار اللَّه تعالى لنبيه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم جواره وقربه ، فقضى نحبه ولقي ربّه ؛ فقام خلفاؤه بعده بآثاره يقتدون ، وبهديه وإرشاده يهتدون ، ولأحكامه يتّبعون ، ولأوامره يستمعون ، ولمعاني ما جاء به يعون ، وإلى قضاياه يرجعون ، لا يغيّرون ولا يبدّلون ، ولا يتعرّضون ولا يتأوّلون ، فقضى على ذلك الخلفاء الراشدون ، والأئمّة المهديّون ؛ لم يتّبع أحد منهم في زمانهم عقيدة فاسدة ، ولم يظهر أحد مقالة عن سواء السبيل حائدة ؛ ثم تفرّقت الآراء ، وتعدّدت الأهواء ، واختلفت العقائد ، وتباينت المقاصد ، ووهت القواعد ، وتصادمت الشّواهد ، وتفرّقت الناس إلى مقرّ بالحقّ وجاحد ، وظهرت البدع في المقالات ، وضلّ كثير في كثير من الحالات ، وتهافت غالبهم في الضّلالات ، وقال كلّ قوم مقالة تضمّنت أنواعا من الجهالات ؛ وكان من أسخفهم عقلا ، وأضعفهم نقلا ، وأوهنهم حجّة ، وأبعدهم من الرّشد محجّة ، طائفة الرافضة والشّيعة ، لارتكابهم أمورا شنيعة ، وإظهارهم كلّ مقالة فظيعة ، وخرقهم الإجماع ، وجمعهم قبيح الابتداع ، فتبدّدوا فرقا ، وسلكوا من فواحش الاعتقادات طرقا ، وتنوّع ناسهم ، وتعدّدت أجناسهم ، وتجرّأوا على تبديل قواعد الدّين ، وأقدموا على نبذ أقوال الأئمة المرشدين ، وقالوا ما لم يسبقوا إليه ، وأعظموا الفرية فيما حملوا كلام اللَّه ورسوله - عليه السّلام - عليه ، وباؤوا بإثم كبير وزور عظيم ، وعرّجوا ( 1 ) عن سواء السبيل فخرجوا عن الصراط المستقيم ، وفاهوا بما لم يفه به قبلهم عاقل ، وانتحلوا مذاهب لا يساعدهم عليها نقل ناقل ، وتخيّلوا أشياء فاسدة حالهم فيما نخيّلها أسو أمن حال بأقل ( 2 ) ، وتمسّكوا بآثار موضوعة ، وحكايات إلى غير الثّقات مرفوعة ، ينقل عن أحدهم ما ينقله عن مجهول غير معروف ، أو عمن هو بالكذب والتدليس مشهور وموصوف ؛ فأدّاهم ذلك إلى القول بأشياء - منها ما يوجب الكفر

--> ( 1 ) أي مالوا عنه وحادوا . ( 2 ) بأقل : اسم رجل يضرب به المثل في العيّ . يقال في المثل : « أعيا من بأقل » . ( جمهرة الأمثال : 2 / 72 ولسان العرب : 11 / 62 ) .